الشيخ محمد هادي معرفة

334

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وقد جعل السكاكي التعريض قسما من الكناية ، إذ جعلها تعريضا وتلويحا ورمزا وإيماءً وإشارةً . قال : متى كانت الكناية عرضيّة ، كقولك : المؤمن لايؤذي أخاه المسلم ، تعريضا بمن يتصدّى لإيذاء المؤمنين بأنّه ليس بمؤمن ، فهذه كان إطلاق اسم التعريض عليها مناسبا . وإذا لم تكن الكناية عرضية ، نظر ، فإن كانت مسافة بينها وبين المكنّى عنه مسافة متباعدة لتوسّط لوازم كثيرة كما في « كثير الرماد » وأشباهه كان إطلاق اسم التلويح عليها مناسبا ، لأنّ التلويح هو أن تشير إلى غيرك عن بُعد . وإن كانت ذات مسافة قريبة بقلّة اللوازم لكن مع نوع خفاء مثل قولهم « عريض القفا » و « عريض الوسادة » كان إطلاق اسم الرمز عليها مناسبا . لأنّ الرمز هو أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية . وإن كانت لاخفاء فيها كان إطلاق اسم الإيماء والإشارة عليها مناسبا . « 1 » ومن لطيف الكناية وحسنها ما يأتي بلفظة « مثل » في قولك « مثلك لايبخل » حيث نفيت عنه القبيح بأحسن وجه . لأنّه إذا نفاه عمّن يماثله فقد نفاه عنه لا محالة ، إذ هو بنفي ذلك عنه أجدر ، وإلّا لم يكونا متماثلين . وعليه ورد قوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » « 2 » وإن كان اللّه سبحانه لامثل له ، لكنّه كناية عن نفي مشابهته لشيء بأبلغ وجه . لأنّ مثله تعالى - فرضا - إذا لم يكن له مثيل فهو تعالى أولى بأن لا يكون له نظير . ومن ذلك أيضا قوله تعالى : « أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ » . « 3 » فإنّه كنّى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسانٍ آخر مثله ، ولم يقتصر على ذلك حتى جعله ميّتا ، ثمّ جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبّة . قال ابن الأثير : فهذه أربع دلالات واقعة على ماقصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله .

--> ( 1 ) - مفتاح العلوم ، ص 190 و 194 . ( 2 ) - الشورى 11 : 42 . ( 3 ) - الحجرات 12 : 49 .